ابن تيمية
74
مجموعة الرسائل والمسائل
ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد دون ما هو بالضد كان هذا الثاني أكمل . ويقولون : المأمور المني الذي فوقه آمر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس فوقه آمر ناه ، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل والمحرم عليها ما لا ينبغي أن يفعل ، وآخر يفعل يما يريده بدون أمر ونهي من نفسه . فهذا الملتزم لأمره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة أكمل من ذلك وقد قال تعالى ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) وقال " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مجرماً فال تظالموا " . وقالوا أيضاً : إذا قيل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته ، وأنه لا مانع له ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده ، ولا أن يجعله مريداً ، كان هذا أكمل ممن له مانع يمنعه مراده ومعين لا يكون مريداً أو فاعلاً لما يريد إلا به . وأما إذا قيل : يفعل ما يريد باعتبار أنه لا يفعل على وجه مقتضى العلم والحكمة بل هو متوسل فيما يفعله ، وآخر يفعل ما يريد لكن إرادته مقرونة بالعلم والحكمة كان هذا الثاني أكمل . وجماع الأمر في ذلك : أن كمال القدرة صفة كمال ، وكون الإرادة نافذة لا تحتاج إلى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال . وأما كون الإرادة لا تميز بين مراد ومراد بل جميع الأجناس عندها سواء فهذا ليس يوصف كمال ، بل الإرادة المميزة بين مراد ومراد كما يقتضيه العلم والحكمة هي الموصوفة بالكمال ، فمن نقصه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره قدره . ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره . والكمال الذي يستحقه إثبات هذا وهذا . فصل في الرد على منكري النبوات بالعقل وأما منكرو النبوات وقولهم : ليس الخلق أهلاً أن يرسل الله إليهم رسولاً كما أن أطراف الناس ليسوا أهلاً أن يرسل السلطان إليهم رسولاً . فهذا جهل واضح في حق المخلوق والخالق ، فإن من أعظم ما تحمد به الملوك : خطابهم بأنفسهم لضعفاء الرعية فكيف بإرسال رسول إليهم .